قصص المرضى

*** قصص مرضى السرطان الذين تعافوا من هذا المرض الخبيث ***
الدكتورة حورية مشهور وزيرة حقوق الإنسان

لحظات فاصلة وفارقة في حياتي عشتها وأنا أنتظر نتيجة الفحص في المستشفى الذي ذهبت إليه بنفسي ومعي زميلة يمنية شابة حيث كنا في دورة تدريبية في بريطانيا في أغسطس من عام 2001، وكنت قد أجريت فحوصات قبل شهر في اليمن لكنها غير مؤكده عن إصابتي بالسرطان.
سرح بي الخيال، ولفترة شعرت بالرهبة والخوف بأن ساعة الرحيل قد أزفت ولا أعلم كم تبقى لي من الوقت. كانت تتراءى أمامي صور أبنائي وكانوا آنذاك صغاراً، وزوجي الذي أخفيت الخبر عنه لأنه كان يعاني من مرض السكري وكنت خائفة من وقع الصدمة عليه.
فكّرتُ في أبي وامي وإخوتي وأصدقائي، وابتهلتُ إلى الله العلي القدير ألا تتأكد الشكوك، وأن يبعد عني شر هذا المرض المخيف.
كانت لغة عيون الممرضة والطبيب قد أفصحت عن المصاب الجلل، وحينما حاولا تهدئة روعي كان الله سبحانه وتعالي –والحمد لله على هذه النعمة- قد ألهمني السكينة والصبر، فحمدت الله أن البلاء حلّ بي وليس بأحدٍ من أسرتي.
خضعت للعلاج الجراحي والإشعاعي والكيميائي المؤلم، ولا أنسى قوة الدعم التي تلقيتها في تلك الأيام، فقد انهال عليّ سيل من الاتصالات لتقويتي وتشجيعي والشد من أزري. شعرت بوشائج الحب والحنان والتعاطف الإنساني من قبل أولئك الأحباء الرائعين.
وانصرفت الى الله سبحانه وتعالى أدعوه وأبتهل إليه، مؤمنة كل الإيمان بأن الشفاء شفاؤه وإن أراد فإنه سيكون شفاءً لا يغادر سقماً. وآليتُ على نفسي أن أسخّر نفسي لخدمة الناس وخاصة النساء، ولذا كانت عودتي للعمل سريعة لأنسى همّي بالاندماج مع الناس والاستماع الى همومهم ومشاكلهم، فكانت تلك الهموم الكبيرة تتجزأ وتنقسم حتى تكاد أن تتلاشى.
لم أشعر أبداً بالإحراج من الحديث عن حالتي المرضية بصراحة؛ فهي جزء من قدري. واخترت أن أتعامل مع تجربتي بشكل إيجابي، بمساعدة الآخرين، وأصبحت هذه المهمة بالفعل رسالتي المقدسة في الحياة.
اليوم، وبعد مضي تلك الفترة، ازداد إيماني وتعمق بأن الله على كل شيء قدير وأن الحياة والموت بيده. وعلى الإنسان أن يوازن بين العمل لدينه ودنياه، وأدعو الله أن يتم الشفاء علينا جميعاً وأن نمضى في حياتنا بإذن الله بكل تفاؤل وأمل.

—————————————————————————————————

محمد ناصر (33 عاماً) تعافى من سرطان الدم منذ 5 سنوات
أنا متزوج وأب لـ 3 بنات، وموظف بسيط في الحكومة وكنت أتناول القات يومياً، وكنت أهتم كل يوم كيف أوفّر القات والمكان الذي “أقيّل” فيه.. وفي أحد الأيام شعرت بألم شديد في كليتي وخشيتُ أن يكون مرضاً وراثياً لأن الوالد كان قد أصيب بمرض الفشل الكلوي. ذهبت لعمل بعض الفحوصات وكان منها فحص دم وتلفزيون للكلى، وبعد يومين عدتُ لاستلام نتيجة الفحص، فقال لي الطبيب إن نسبة كريات الدم البيضاء مرتفعة جداً (52000) بينما الطبيعي 10000. كان الطبيب طيباً للغاية، ولم يخفني، و إنما قال إن هناك احتمالين: إما أن تكون التهابات حادة في الدم أو أنه سرطان ولكنه قابل للشفاء، وقد فوجئت بكلامه حتى إني شعرت بدوخة غريبة، لكني لم أشأ أن أصدّق لذلك ذهبت لطبيب ثانٍ، وعملت فحوصات ثانية وفعلا ظهرت النتيجة بأنه سرطان الدم، ولكن الطبيب طمأنني وقال إن شاء الله يُعالج.
عدتُ إلى البيت وأنا مصدوم وبدأت أفكر في الموت وكيف أصبت بالمرض، فأنا كنت دائماً بصحة جيدة والحمد لله،
ولأنني كنت موظفاً حكومياً فقد ساعدوني كي أعمل فحوصات في الخارج، وهكذا سافرت إلى الأردن، وهناك أكد لي الطبيب أنني فعلاً مصاب بالسرطان، وكان علاجي مكلفاً للغاية، إذ يكلّف شهرياً 3000 دولار ولمدة طويلة جداً، وقد يلازمني العمر كله.. وقد صدمت بتكاليف العلاج أكثر مما صدمت من معرفتي بمرضي.
وبدأت أستخدم العلاج وهو عبارة عن حبة أشربها كل يوم في الموعد نفسه، وكان تأثيرها قوياً عليّ ففي البداية كنت أشعر أني بلا عظام وكأنني عبارة عن كتلة لحم فقط، وكنت أعاني بشدة من هذا الشعور الرهيب وبقيت على هذه الحال حوالي 6 أشهر ثم بدأت أعتاد على العلاج.
نصحني الأطباء في الأردن أن أحافظ على معنوياتي مرتفعة فهذا هو أساس العلاج الناجح، وفعلاً كانت نفسيتي مرتفعة ولم أستسلم للمرض أبداً، وقد ساعدني على ذلك وقوف أسرتي إلى جانبي وزملائي في العمل الذين لم يتخلوا عني أبداً، كما دعمتني مؤسسة السرطان كثيراً وخصوصاً في توفير العلاج ولحد الآن .. وجزاهم الله كل خير.
لازلت أتناول العلاج لحد الآن وقد مر على ّمرضي حوالي خمس سنوات وصحتي ممتازة والحمد لله.. وكل 6 أشهر أسافر لإجراء فحوصات في الخارج وتكون النتيجة مطمئنة للغاية، ولا أدري متى سيقرر الأطباء التوقف عن العلاج هذا المكلف لكني متفائل جداً وعلى يقين بأن الله سوف يرحمني وقريباً ستنتهي فترة العلاج.
لقد أدركتُ كم أنّ العمر قصير، وأن الصحة هي أغلى ما لدى الإنسان، وأحمد الله الذي ابتلاني بهذا المرض ليوقظني من الغفلة التي كنت فيها، وقد تغيرت الآن تماماً وأصبحتُ محافظاً على صلاتي وأذكاري والحمد لله.
أحب أن اطمئن الناس الذين أصيبوا بالمرض وحتى المتعافين أن السرطان لا يعني الموت حتماً، وأنه أصبح من الأمراض التي يمكن علاجها بسبب التطور العلمي والاكتشافات الطبية الجديدة كل يوم، لكن أهم شيء هو أن تهتموا بصحتكم وبعمل الفحوصات الدورية كل فتره لمتابعة أي طارئ صحي يحدث لكم.
إنني أتمنى لو أن عندي الإمكانيات الكافية لمساعدة مرضى السرطان ودعمهم، لكني لا أملك سوى دعائي ونصحي لهم بالصبر والتمسك بحبل الله فهو الشافي والمعافي .. وتمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية.
……………………………………….
قصة نصر فخري (45 عاماً)
أعمل منذ فترة طويلة مع مؤسسة السرطان، وأنا متزوج وأب لـ 8 أطفال، وقد عايشت حالات كثيرة من مرضى السرطان، فضلاً عن أسرتي لها تاريخ مع المرض، فوالدي وأخي وابني جميعهم أصيبوا بالسرطان، وقد توفى والدي رحمه الله بالسرطان، أما أخي فشفي والحمد لله ثم أصيب أحد أبنائي وعمره 5 سنوات وتوفى أيضاً، ولذلك أصبحت متعايشاً مع المرض وأتوقع أن يأتي الدور عليّ في أي لحظة، وكنت أعمل بعض الفحوصات في المركز نفسه.
في أحد الأيام مرضت زوجتي بالمرارة فأجرينا لها عملية ثم جاءت عمتي لتزورها، فاشتريت لها فاصوليا خضراء (دُجر)، وأكلتُ منه كمية لا بأس بها وفجأة شعرت بألم شديد في القولون لم أشعر مثلها بحياتي كلها، فظننت أنه انتفاخات في القولون كما يحدث عادة لي عندما أكثر من البقوليات، فاستلقيت على ظهري وبدأت بعمل مساج لبطني وكنت أضغط على بطني بيدي، وبينما أنا كذلك انغرزت يدي تحت الضلع فأحسستُ بكتلة كبيرة تحت الضلع وتحسستُ الورم فإذا هو كبير وواضح وأدركت أنه ورم سرطاني. ذهبت إلى زوجتي وهي لازالت مريضة ومستلقية على السرير فسألتني كيف أصبحت، فقلت لها الحمد لله بخير، لكن أريدك ان تشفي وتقومي لأجلس مكانك فقالت: أعوذ بالله من الشيطان مالك انطق، خير!
وفي الصباح أسرعت إلى إحدى الطبيبات التي تعمل في المركز وقلت لها: أريدك أن تفحصيني فأنا اليوم مصاب بالسرطان. شهقت الطبيبة وصرخت: ماهذا الكلام! انطق خير يا ناصر لماذا هذا التشاؤم، ربما أكلت أمس دجر!
فضحكت وقلت لها: فعلاً أكلت دجر.. قالت لي: إذن الدجر هو السبب لأنه يسبب انتفاخات في القولون.
قلت لها: لا يا دكتورة هذه المرة مسكت الورم بيدي!
قالت لي: لابد أن تكون صائماً وتشرب ماءً كثيراً.
فقلت لها: قد عملت كل هذا (بخبرتي في العمل معهم أعرف كل هذه التفاصيل).
بدأت الطبيبة تفحصني وهي تعاتبني لتشاؤمي وتسرعي بالأحكام واذا بها ترى الورم فعلاً واضحاً أمامها! وحددت حجمه 7 ×5سم وتفاجأت ثم حولتني إلى طبيب آخر مختص.
ذهبت إلى الطبيب المختص وأنا أعرفه، وقلت له: يا دكتور أنا مصاب بالسرطان فنظر إليّ بغضب، وقال: لماذا هذا التشاؤم.. قلت له: لقد مسكت الورم بيدي.
قال: تعالَ مكاني طالما أنك تستطيع تشخيص الأمراض بنفسك!
سلمته نتيجة الفحص وقلت له: انظر بنفسك، وفعلاً نظر إلى الفحص وتعجب وقال: عادةً الذي يصاب بالسرطان يخاف ويقلق وأنت تضحك وتمزح.. وفعلاً كنت أشعر براحه نفسية وطمأنينة غريبة، وتلك نعمة من الله.
ثم طُلب مني عمل أشعة مقطعية ثم منظار وهكذا أكدت النتيجة وجود ورم خبيث. والحقيقه أني كنت أشعر بهدوء غريب وراحة نفسية لم أشعر بمثلها من قبل، حتى أن الأطباء كانوا يستغربون من هدوئي واطمئناني.
عدت إلى البيت وأخبرت زوجتي فصرخت وخافت وبدأت تبكي علي، فطمأنتها وقلت لها كل شيء بخير وإن شاء الله سأتعافى، ما عليك إلا أن تدعي لي بالشفاء.
بعدها بدأت إجراءات طويلة لإجراء العملية في أحد مستشفيات الحكومية، لأني لا أقدر على عملها في المستشفيات الخاصة، ووقفت في طابور المرضى أنتظر دوري، وكنت أخشى أن ينتشر المرض أكثر، لكن الله وفقني بمساعدة مؤسسة السرطان وأجريت العملية سريعاً، وكنت مصاباً بالسكر، وقد خشي الأطباء أن لا تلتئم جراحي لكنها التأمت سريعاً بفضل الله وبقوة إرادتي، والحمد لله.
رابع أيام العملية كان يوم جمعة. سمعت صوت المنادي وتاقت نفسي لصلاة الجماعة وخطبة الجمعة، فتوضأت ولبست الثوب النظيف ونزلت على الدرج وذهبت للجامع القريب من المستشفى وصليت صلاة كاملة بركوعها وسجودها ودعوت الله وحمدته، ثم عدت الى المشفى والتقيت بالدكتور في الاستقبال ففوجئ بي، وقال: أنت نصر الذي أجريت له عملية منذ أيام؟ قلت له: نعم، فتعجب وقال: أين كنت؟ قلت له: ذهبت أصلي الجمعة.
قال: أنت مجنون! ذهبت تصلي وأنت تعلم أنك أجريت عملية ومصاب بالسكر، افرض إن العملية فتحت!
ثم فحصني فوجدني بأحسن حال والحمد لله .. وهكذا أكملت أسبوعاً في المستشفى ثم خرجت، على أن أعود بعد أسبوع لفتح خيوط العملية لكني لم أعد أبداً وفتحت الخيوط في مركز الأورام.
وبعدها بدأت جرعات الكيماوي بمركز الأورام بمساعدة المؤسسة جزاهم الله كل خير.. وعملت 6 جرعات كانت متعبه لي للغايه ونقص وزني كثيراً لكني صمدت والحمد لله.
لقد شفيت بحمد الله وصار لي حوالى خمس سنوات وأنا بصحة جيدة وأعمل الفحوصات كل ستة أشهر وكل النتائج تأتي مطمئنة ولله الحمد والمنة، وأمارس حياتي بشكل طبيعي جداً وأعيش بقوة وأمل وتفاؤل كبير.
لقد كان طريقي للشفاء ممهداً بفضل المساندة النفسية والحب اللذين حصلت عليهما من كلٍ من أسرتي وأصدقائي. وأدركت بوضوح أن المرض ليس عقاباً من الله، إنما هو نعمة بشكل ما، من أجل أن يرى الإنسان الحياة من منظور مختلف.
لم أشعر أبداً بالإحراج من الحديث عن حالتي المرضية بصراحة؛ فهي جزء من قدري. واخترت أن أتعامل مع تجربتي بشكل إيجابي بمساعدة الآخرين، وأصبحت هذه المهمة بالفعل رسالتي المقدسة في الحياة. وأقول للجميع لا تقلقوا واستعينوا بقوة الإيمان ولا تستسلموا أبداً.
———————
منوّر طه عبدالواحد (32 عاماً)
أنا متزوج منذ فترة وأب لـ 3 أبناء (ولدين وبنت)، وأعمل في وظيفة حكومية. أحسست يوماً بألم في بطني فذهبت للطبيب فطلب مني عمل فحص دم، فأظهرت النتيجة أن كريات الدم البيضاء مرتفعة جداً ، فأجريت الفحص مرة ثانية فكانت النتيجة نفسها، فطلب مني الطبيب فحص البكتيريا فأظهرت النتيجة عدم وجود أي بكتيريا، فعدت إليه ثانية فنصحني بعمل خزعة نخاع العظم فكانت النتيجة: لوكيميا مزمنة (سرطان الدم) فأعطاني دواء وأمرني بالمداومة عليه.
كانت ردة فعلي عادية تجاه المرض، ربما من تأثير الصدمة، وقد وافقت على البدء باستخدام الأدوية التي قررها لي الطبيب المعالج.. لكن والدتي لم تغب عني لحظة وظلت تساندني بقوة، وتحثني على السفر للخارج للعلاج هناك والتغلب على المرض، وكان حب زوجتي وإخلاصها لي من الأمور التي ساعدتني كثيراً.
فقررت التوجه إلى الأردن حيث أجريت فحوصات مرة ثانية فكانت النتيجة هي نفسها (لوكيميا الدم)، وقرروا لي أدوية أتناولها مدى العمر، وقد دعمتني مؤسسة السرطان في توفير العلاج فهو غالي الثمن ولهم جزيل الشكر.
وبدأت أشرب الدواء حبة كل يوم في الموعد نفسه، وقد أتعبني في بداية الأمر لكني اعتدت عليه، وحالياً أصبح الأمر عادياً بالنسبة لي، وحالياً أنا مستمر في العلاج وأعمل الفحوصات الدورية كل شهرين والنتائج مطمئنة والحمد لله.
أعتبر نفسي محظوظاً إلى حد كبير بفضل الرعاية والدعم الذي لقيته من أسرتي وأصدقائي، وأيضاً من مؤسسة السرطان التي وفرت لي العلاج حيث أن تكلفته باهظة للغاية، لكن بفضل الله والمؤسسة أنقذت حياتي وأستطيع أن أعيش مع أسرتي وأربي أبنائي وأؤدي رسالتي في الحياة.
ورغم كل الذي حدث لي إلا أني لم أُفجع فقد كان الأمر عادياً بالنسبة لي، وقد قررت في وقتها أن لا أستسلم للسرطان أو أن أجعله يهزمني، وكانت إرادتي القوية هي الدافع لتمسكي بالحياة. وقد علمت فيما بعد أنه ثبت علمياً أن الإرادة في الحياة تحدث في كثير من الأحوال فارقاً كبيراً.
والآن أشعر بالسعادة والفخر بقوتي وقدرتي على التحمل، وأشكر الله مرة أخرى لمنحي الفرصة لأن أعيش بصحة جيدة وبروح طموحة. ونصيحتي لكم أن تتحلوا بالإيمان وألا تستسلموا أبداً.

——————————————————————————————————
– قصة ندى (33 عاماً) ناجية من سرطان الثدي 2005
تخرجت من جامعة صنعاء قسم المحاسبة، وأعمل مديرة مدرسة، أحب عملي كثيراً وأحب الناس وأثق في الجميع.
كنتُ أحلم بأن أكوّن عائلة سعيدة مليئة بالحب والرومانسية، فأنا حنونة وحالمة وصبورة، وقد تقدم لخطبتي كثير من الشباب، لكن لم يكن هناك نصيب.
بدأ يخرج من حلمة ثديي بعض الدم، فاستغربت وعملت عدة فحوصات لمدة سنه كامله ولم يكتشفوا السبب، واستمر الدم يخرج، ثم قررت السفر للأردن أنا وأبي وأخي وهناك أجريت الفحوصات اللازمة.
وعندما ذهبت لتسلم النتيجة، وكنت يومها سعيدة جداً وفي قمة الأناقة لكن الطبيب قال لي بكل قسوة وبدون مقدمات: أنت مصابة بسرطان الثدي!، كانت صدمة كبيرة لي، فلم أكن أتخيل أن أصاب بالمرض، بل لم يكن عندي أي فكرة عن المرض. أحسست أن الأرض تدور بي، وانهمرت دموعي بغزارة، وفي ثوانٍ هرعت إلى الخارج، لا أدري كيف مشيت ولا كيف وصلت إلى الشقة، ومكثت في غرفتي من العصر إلى الفجر وأنا صامتة ودموعي لم تتوقف لحظه، ثم نمت بعدها الى الثامنة وصحوت وأنا مبتسمة، وقلت لنفسي: لن أستسلم لهذا المرض فأنا أحب الحياة، وقررت أن أفتح صفحة جديدة وأخضع للعلاج، لكن لدى طبيب آخر، لأن ذلك الطبيب لم يكن لديه أي إنسانية او رحمة.
وفعلاً ذهبنا لطبيب ثانٍ، وكان لطيفاً جداً، وأفهمني طبيعة مرضي وماهي الإجراءات التي عليّ أن أعملهه، ثم حوّلني إلى جرّاح شاطر حيث قرروا لي العملية وهي استئصال الثدي المصاب.
وقبل دخولي العملية كنت أحياناً أمرّ بلحظات ضعف وأحياناً لحظات قوة، ومع ذلك لم تنزل دمعة مني. اتصلت بجميع صديقاتي وأهلي وطلبت منهم أن يدعوا لي وأن يقرؤوا لي سورة الأنعام .. والحمد لله نجحت العملية وخرجت منها سالمة لكني كنت متعبة جداً. ولا أنسى كيف وقف أخي الحبيب وشقيق روحي معي، ولا أستطيع أن أوفيه حقه، فقد كان نعم الأخ الحنون والرحيم، وكذلك والدي وأختي حفظهم الله.
شفيت جراحي والحمد لله، لكن جراح روحي لم تبرأ، فقد كنت مشتاقة لبلدي وأمي وأهلي وصديقاتي وكانت روحي تحنّ إليهم كثيراً.
ثم بدأت العلاج الكيماوي، حيث قرروا لي أربع جرعات كل 20 يوماً عانيت منها كثيراً، وكان أخي يهتم بي ويقوم برعايتي ليل نهار.. وسقط شعري بعد الجرعه الرابعة، ورغم كل ذلك كنت أتحمل وكانت ابتسامتي لا تفارق وجهي، وكوّنت صداقات كثيرة ونشاطات متعددة مع زميلاتي المريضات، وقد كرّمتني إدارة المشفى لروحي المتفائلة والابتسامة دائماً تعلو وجهي.
وانتهت الجرعات بسلامة وعافية ولم يقرروا لي علاجاً إشعاعياً لأن حالتي لا تحتاج لذلك، ولكن قرروا لي علاجاً هرمونياً لمدة خمس سنوات، ثم حان وقت العودة إلى الوطن وكنت أنتظر ذلك اليوم بشوق كبير.
وصلت إلى صنعاء بعد غياب 4 أشهر وكانت أمي وصديقاتي في انتظاري، وكان لقاءً حميماً جداً، حيث زغرد الجميع لي وكأني عروسة وبكت أمي وأنا في حضنها، وبكيت وبكت جميع صديقاتي، وكان يوماً لا ينسى، وشعرت يومها بحب أمي وحب الآخرين لي وأحسستُ بحب الحياة يسري في دمي وأدركت يومها وكأني ولدت من جديد.
وبعد أسبوع تقريباً عدت الى عملي، واستقبلني جميع الطالبات والمدرسين بالورود لدرجة ان الغرفة امتلأت بالورود والهدايا، وهذا طبعاً كان له الأثر الطيب في نفسي وعزّز ثقتي بنفسي، فأحسستُ بحب الله وحب الناس لي.
بعد شهر تقريباً تقدم لخطبتي خال إحدى صديقاتي فرفضت مباشرة، ولكنها أصرت عدة مرات، واستغربت وقلت لها لماذا يصر على خطبتي رغم علمه بمرضي، فقالت: إنه سمع عني الكثير وأنه معجب بي ومتمسك بي.. فوافقت.
وهكذا كانت خطبتي في شهر 6/2006 وجاء خطيبي مع أسرته محملاً بالهدايا ورأيته وكان شاباً ذا شخصية وقورة وسنه مناسب، وتمت الخطبة وكنت سعيدة جداً وكذلك كل من عرفني فرح لي وهنأني.
وقبل العرس صممت أن أجري عملية ترميم للثدي في الأردن، وفعلاً تمت العملية وقد استغرقت 14 ساعة لأنها عملية دقيقة جداً، حيث أخذوا عضلات من بطني وزرعوها في صدري بالمجهر ونجحت العملية والحمد لله، لكنها كانت مؤلمة جدا لأنها عمليتان في الوقت نفسه، ورغم ألمي إلا أني كنت مبتسمة وسعيدة، وكان أملي بالمستقبل مشرقاً للغاية.
ولم يشفَ جرحي سريعاً فقد أخذ وقتاً طويلاً ليلتئم، لكني في الأخير شفيت، وبعدها بدأت أستعد للعرس وتجهيزاته. بدأ شعري ينمو وكان قصيراً لكنه جميل ورائع.
وجاء يوم العرس؛ كنت سعيدة ومذهولة وكان الناس يرتقبون قدومي للقاعة وكأني إحدى الأميرات.. وعندما دخلت قاعة العرس كنت في غاية الجمال وكلي صحه وعافية والحمد لله.
وبدأت حياة جديده مع زوجي الرائع الذي اختارني من بين جميع النساء، وكان نعم الزوج الطيب والحنون، والآن لنا 6 سنوات منذ تزوجنا ونعيش حياة سعيدة مستقرة.. وحالياً أجري فحوصات دورية كل سنة وحالتي بفضل الله مستقرة، وأعيش حياة طبيعية جداً، اذهب للمدرسة كل يوم وأقوم بواجباتي المنزلية واستمتع بالحياة.
وأنصح جميع الذين مروا بهذه التجربة ألا يستسلموا للمرض وأن يناضلوا بقوة، وأن يعيشوا الحياة بكل إيمان، فكل ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، والله سبحانه وتعالى إنما اختارنا لحبه لنا.كما أرجو من جميع أسر المرضى أن يقفوا معهم ويدعموهم ويساندوهم، فهذا المرض يحتاج إلى كثير من الحب والحنان فهو نصف العلاج.
ولا أنسى شكري وعرفاني بالجميل لكل الناس الذين أحبوني ودعموني وساندوني بدعواتهم وقلوبهم الطيبه .. وأسأل الله دوام الصحة والعافية للجميع.
—————————

عبدالله (19 عاماً) شفي من عام 2005
توفي أبي وأنا في الثامنة من عمري، وربتني أمي وكانت بمثابة الأب والأم لنا في آن واحد. لقد كرّست وقتها وطاقتها وكافحت لتوفير حياة سعيدة لي ولإخواني. كنت في الصف الرابع عندما طلع لي ورم صغير في رقبتي من الجهة اليمنى.. فسألت والدتي العزيزة، متعجباً: ما هذا يا أمي؟ فأجابت: لا تقلق، لعله كيس دهني.
وأصبح الورم يكبر ويكبر مع مرور السنين من غير ألم مع التقيؤ المفرط. وفي عام 2005 توفت والدتي العزيزة جراء عملية للمرارة. فظللت أبكي عليها تسعة أشهر وصولاً إلى شهر رمضان. وفي بداية رمضان بدأت تأتيني حمى شديدة، وشعور بالدوار والألم الشديد عند منطقة الورم بسبب البكاء الشديد على أمي، وتم إسعافي إلى المستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة.. حيث قرروا لي اجراء عملية لأخذ عينة من الورم وإرساله إلى الخارج لفحصه.
عادت نتيجة الفحص بأن لديّ ورماً في البلعوم الأنفي ويجب أن أخضع لعلاج كيماوي وعلاج إشعاعي بأسرع وقت. لم أستسلم للمرض فأملى بالله كبير، نظراً لأن حالتي مبكرة جداً فقد كنت في الثالثة عشرة من عمري.
وكانت خالتي هي من ترعاني وأخبرتني أن الله لا يبتلي عبداً من عباده إلا وهو يحبه، فزاد ذلك من ثقتي بالعلاج. فبدأت بالعلاج الكيماوي ثم الإشعاعي واستمر العلاج ثمانية أشهر. وكان من أعراض العلاج الكيماوي: فقدان الشهية، وفقدان الوزن، وتساقط الشعر، والشعور بالتعب الشديد. كنت لا أقدر على أكل شيء ونقص وزني كثيراً، حتى حذرني الطبيب المعالج بأنه سيثقب رقبتي ويطعمني الأكل عن طريق أنبوب مباشرة إلى المعدة، فبدأت آكل وأشرب بقدر الإمكان. ورغم وجود هذه الأعراض لم أيأس ولم أستسلم، وإنما كافحت وكنت أذهب إلى المدرسة كل يوم.. فقد كنت في الصف التاسع وأردت أن أكون من الأوائل.
وكان أملى بالله كبيراً، وكنت أتذكر دائماً قول الله تعالى “وإن يمسسْك الله بضرٍ فلا كاشفَ له إلا هو، وإن يمسسْك بخيرٍ فهو على كل شيءٍ قدير”.
وقد أثني الطبيب على مثابرتي في الدراسة، وصبري على العلاج، ومتابعتي لعمل الفحوصات المطلوبة والحضور في الوقت المحدد مما ساعد على الشفاء. والأهم من ذلك أنني كنت أذكر الله كثيراً. وفي تلك السنة حصلت على الترتيب الثالث من أوائل الصف التاسع الوزاري في مدرسة بغداد النموذجية.
وفي يوم من الأيام دخلت خالتي فرحة تقول لي: يا بني يوجد علاج شعبي استخدمته صديقة أصيبت بسرطان الثدي وعافاها الله بعد مرور سنتين على المرض. وكان العلاج: أولاً: ابدأ يومك بالاستيقاظ باكراً وقراءة سورة البقرة، وكنت أستيقظ من الساعة الثالثة فجراً أقرأ سورة البقرة كاملة إلى أذان الفجر ثم أصلي الفجر صلاة مودّع، وأظل أستغفر الله كثيراً. ومن ثم أشرب الآتي: ماء منقوع فيه قطعة خشبية من شجرة دم الأخوين، بعد أن تنقع لفترة كافية.
ثانياً: شرب ماء زمزم.
ثالثا: تناول سلطة الفواكه من دون إي إضافات، فقط أشرب معها الماء وعصير الجزر والعنب، (طبعاً مع الابتعاد عن المعلبات والعصائر لما فيها من المواد الحافظة والكيماويات التي تسلب طاقة الخلايا وتسخن الجسم وتشعر بعدها بغثيان وإنهاك) .
وداومت على هذا البرنامج الذي أنا عليه إلى الآن, وعندما ذهبت للمستشفى ذهل الطبيب من صحتي التي تتحسن وتتطور باستمرار، كما أن التحاليل كانت رائعة وقد صدم من رؤيتها.
وطبعاً ساعدتني المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان وتكفلت بكامل تكلفة العلاجات والكشافات الدورية.. ولا أنسى فضلهم عليّ كثيراً، كما تكفلوا بعد ذلك بدعمي معنوياً ونفسياً، فلهم جزيل الشكر وجزاهم الله كل خير على جهودهم الجبارة في مساعدة المرضى.
مضى عليّ الآن أربع سنوات منذ شفيت تماماً وقد أتممت الثانوية العامة والدبلوم الانجليزي وأقول هذا من فضل ربي, وحاليا أدرس دبلوم انجليزي بدعم من مؤسسة السرطان ولي هواياتي في الرسم وقد شاركت في عدة معارض.. ولازالت لي أحلامي وطموحاتي التي أسعى لتحقيقها بإذن الله.
لقد تعلمت من مرضي أن الحياة جميلة وتستحق أن نجتهد ونسعى لتحقيق أحلامنا.. وأحمد الله على ما أنعم به عليّ من الأمل والإيمان وما حباني به من جَلَدٍ وقوة وصبر على مواجهة التحديات والصعوبات التي يسببها المرض.
هذه قصتي حكيتها لكم باختصار شديد، وأتمنى لكل مريض الشفاء والصحة والعافية. أمدكم الله جميعا بالصحة والعافية والمعافاة، إنه هو السميع المجيب.

—————————————————————————————-
غسان هلال (8 سنوات) شفي من سرطان الدم 2008
كان طفلاً صغيراً وجميلاً بين ثلاثة أبناء لأسرة متوسطة الدخل تعيش في عمران. كان رائعاً ومميزاً بين إخوانه بطلّته الجميلة وشعره الأسود الناعم، لكنه كان يصاب أحياناً بوعكات صحيه خفيفة فتنقله أسرته إلى طبيب أطفال مشهور في صنعاء ثم يعودون مرة أخرى إلى قريتهم.
تقول والدته: في أحد الأيام كان يلعب مع ابن عمة فقفز الأخير على بطن ابني حتى تورمت بطنه فأسعفته إلى صنعاء، فعملوا له كشافة وقالوا هي كدمة بسيطة وقرروا له بعض العلاجات. بعدها عدت إلى البيت فلاحظت أن ابني بدأ لونه يشحب ويميل إلى الخمول والنوم بكثرة، وكأنه سيدخل في غيبوبة، فأخذته مرة أخرى للمدينة، وأجرينا له عدة فحوصات فقالوا إنه يحتاج إلى نقل دم لأن كريات الدم منخفضة جداً، فنقلنا له قربة من دمي وعدنا بعدها لعمران وبقينا عشرة أيام ولكن حالته ساءت، فعدنا به مرة أخرى للطبيب فوجد أن مؤشر الدم قد هبط إلى خمسة يعني أقل من المرة الأولى.
قال الطيبب: ربما يعاني ابنك من تكسر في الدم، فأعدنا الفحص مرة أخرى، فخطر في بالي خاطر وسألت الطبيب عفوياً: ربما يعاني من اللوكيميا! لقد قلتها وأنا لا أعرف ماذا تعني الكلمة، ولكني سمعت أنها مرض في الدم، لكن الطبيب قال إن ابني يعاني من جرثومة في الجهاز العصبي تضغط على العظام فلا ينتج الدم.
ونصحني أحد الأطباء أن نأخذ حسام لمستشفى الكويت فهناك طبيب مختص بأمراض الثلاسيميا وهي أمراض الدم، فأخذته الى هناك حيث تم فحصه وتبين أنه مصاب بسرطان الدم (لوكيميا) ونصحني الطبيب أن أسافر إلى الخارج لمتابعة حالته حتى تستقر.
بدأت في تدبير تكاليف السفر والعلاج بمساعدة بعض أقربائي، وسافرت إلى القاهرة وهناك توجهت إلى مستشفى 57357 الشهير المختص بمعالجة الأطفال من السرطان، فرحبوا بحسام ولكنهم اشترطوا أن يظل تحت المراقبة 3 سنوات، ولأني لا أملك ما يكفي للبقاء في القاهرة 3 سنوات، اضطررت لإخراجه من هناك وتوجهت إلى مستشفى القصر العيني الفرنسي، وقابلت طبيباً متخصص بالأورام وعالج ابني بجرعة تمهيدية لمدة شهر، ثم قررت العودة إلى اليمن لكن الطبيب قال لي ان عوة حسام تشكل خطراً شديداً عليه، لكني كنت قد استنزفت كل مدخراتي ولا مجال للبقاء في القاهرة.
أعد لي الطبيب خطة علاجية استمر عليها في اليمن، فتوكلت على الله وعدت إلى اليمن وأنا أدعو له بالشفاء والعافية، وهنا في اليمن أدخلت ابني إلى وحدة الأطفال في المستشفى الجمهوري وبقينا 9 أشهر كاملة تحت العلاج، ثم بعد انتهائنا من المرحلة الأولى من العلاج بدأنا مرحلة الصيانة، وهنا أخذته الى القاهرة مرة أخرى وعرضته على طبيبة كبيرة هناك، وهي بروفسورة في هذا المجال فقرأت الخطة العلاجية التي أعدها الأطباء في اليمن وأعجبت بها وأقرتها ونصحت بالاستمرار فيها وطمأنتني بأن حالة ابني المستقرة.. ويومها فرحت كثيراً واحتفلت مع غسان وكان يوماً رائعاً شعرت فيه بالاطمئنان والهدوء النفسي.
ثم عدنا إلى إليمن وواصلنا العلاج لمدة 3 سنوات حتى استقرت حالته وشفي تماماً ولله الحمد. والآن نتابع حالته باستمرار ونجري له فحوصات كل شهر وحالته بحمد الله مستقرة تماماً .. وقد عاد للمدرسة وهو من المتفوقين في دراسته.
أحمد الله على ما أنعم به عليّ من الأمل والإيمان وما حباني به من جَلَد وقوة وصبر على مواجهة التحديات والصعوبات التي يسببها المرض.
وأحمده سبحانه على الدعم النفسي والمادي الذي لقيته من أسرتي وأصدقائي الذين وقفوا معي وقت الشدة .. وأيضاً أشكر المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان التي دعمتني كثيراً، ولا أنسى أبداً الدكتور عبدالرحمن الهادي الذي يعود الفضل إليه بعد الله في شفاء ابني فجزاه الله خير الجزاء، ولا أنسى فضله ووقوفه معي فهو رجل خيّر ومثابر وكثيراً ما يساعد الآخرين من حسابه الخاص وهو في رأيي من الأطباء النادرين.
وهنا يجدر بي أن أنصح الأشخاص المحيطين بالمرضى بعدم القلق والخوف أمام مرضاهم، فذلك ينعكس على المريض، كما يشعره بأنه عبء على أسرته مما يسبب له الحزن والقلق وبالتالي ضعف المناعة لديه. إن أغلب الحالات التي انتكست وتدهورت كان من أسبابها ضعف الإيمان ونقص الدعم النفسي للمريض، ولذلك أوجه دعوة لجميع المحيطين بالمرضى أن يدعموا مرضاهم نفسياً ومعنوياً
ويحيطوهم بكثير من الحب والرعاية والحنان فهو أكثر ما يحتاجه مريض السرطان.

—————————————————–
إكرام الضحاك (10 سنوات) ناجيه من سرطان الدم
طفلة جميلة يشعّ وجهها نوراً، وابتسامتها لا تفارق محياها، هي أوسط إخوتها الثمانية، وأسرتها بسيطة الحال، فالأب يعمل بالأجر اليومي في مجال البناء وهو مصدر الدخل الوحيد لأسرته.
بدأت إكرام في عام 2007 تعاني من آلام غريبة: صداع وألم في العظام وحمى، وتغيرات في شكلها، وأيضاً عدم قدرتها على المشي مما أخاف أسرتها فسارع الأب لنقلها إلى المستشفى لعمل الفحوصات اللازمة: أشعة وتحاليل دم، وأدوية وتكاليف فوق طاقة الأب، وأظهرت النتائج أن الفتاة مصابة بنقص في خلايا الدم (سرطان الدم).
وبدأت إكرام تذبل أمام أسرتها وهم لا يجدون طريقاً لشفائها، لذلك قرر الأب أن يسعفها إلى مصر أملاً في أن يجد العلاج المناسب لها، وهكذا اضطر الأب لبيع بيته الذي يؤويه هو وأسرته ليوفر لابنته قيمة العلاج والسفر إلى الخارج.
كانت إكرام لاتزال صغيرة وقد أخفى عنها الجميع حقيقة مرضها ، كانت سعيدة وهي تصعد إلى الطيارة فهي تسافر لأول مرة، غافلة عن سر مرضها الخطير. وهناك أخبرها الأطباء بحقيقة مرضها لكنها بحكم سنها الصغير لم تكن تستوعب خطورة المرض.
وهناك أجرت بعض الجلسات العلاجية، وبدأت تتحسن حالتها بفضل الله، ثم عادت إلى اليمن بحالة شبه مستقرة، لكن في المقابل كانت الهموم تملأ قلب الوالد فقد باع البيت والعلاج باهظ الثمن ولا يدري كيف سيوفره.
لكن رحمة الله أقرب مما كان يتصور، فقد سخر الله له جنوداً من جنوده ليتحملوا تكاليف بقية العلاج، فتكفلت المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان بجميع تكاليف العلاج، وتم إرسال إكرام مرة أخرى للعلاج في مصر مع أبويها.
وهناك تم علاجها وعادت بكامل صحتها تشيع نور الأمل والبهجة لكل من حولها، وعادت لتعيش حياتها بشكل طبيعي، كما عادت لتواصل دراستها التي انقطعت عنها لمده 3 سنوات بكل فرح.
وتأمل إكرام أن تكمل دراستها وتدرس الطب لكي تعالج مرضى السرطان وتنقذهم وتوصلهم إلى بر الأمان .. هي طفلة صغيرة لكن أحلامها كبيرة كروحها الصامدة التي ساعدتها على الشفاء.
———————–
محمد علي (23 عاماً)
كانت الحياة بالنسبة لي لعباً ومرحاً، وكنت ألتقي بأصدقائي كل يوم وألعب معهم ولا يهمني من الدنيا شيء، وقد كنت في ذلك الوقت صغيراً (16 سنة) والحياة بالنسبة لي لعبة كبيرة، ولم يخطر ببالي أبداً أني سوف ألعب يوماً دور البطل الرئيسي في هذه اللعبة الكبيرة.
مرضتُ يوماً بالحمى وشعرت ألم في اللوز، وظن أهلي أنه مرض الزكام والتهاب الحنجرة، فذهبت لعمل الفحوصات، فتم تشخيص حالتي بالإصابة بمرض سرطان الليمفوما (سرطان الغدد الليمفاوية) عام 2006. وفور سماعي للخبر، مرّ بذهني قصص مرضى السرطان وسيطرت على تفكيري، وعلمت أني سأخضع لإجراءات طبية مؤلمة، ولم أصدق الأمر وبدا وكأني في كابوس مخيف تمنيت أن أستيقظ منه بسرعة.
لقد فجعت أسرتي كثيراً وظلت أمي تبكي وهي تحتضنني، وكذلك أبي وجميع أخواتي الأربع ، مما أحزنني كثيراً وقررت أن أصبر على مراحل العلاج من أجلهم وخاصة أمي التي أحبها كثيراً وتحزنني دموعها.
وخلال مرحلة الإنكار التي استمرت فترة طويلة، أوهمت نفسي بفكرة أن حالتي خفيفة ولا مجال لمقارنتها بتلك الحالات التي تهدد حياة الآخرين، وما دفعني للمضي قدماً هو المساندة الروحية، فقد شعرت بأن الله قريب مني، وبالفعل فقد شعرت به معي في كل يوم وليلة، وأيقنت أنه يرى كل ما يدور في حياتي، وأنه يرعاني، وكنت متأكداً من أن الله قد أصابني بالسرطان لسببٍ ما، وأنه على الرغم من صعوبة هذا الموقف إلا أنني كنت مؤمناً بأنني سوف أتجاوز كل ذلك وغمرني الشعور بالإيمان والثقة في الله. ومن ناحية أخرى فقد ساعدني التفكير في مشروعاتي المستقبلية والتي كنت مشغولاً دوماً بها على الحد من الشعور بالألم.
كان عمري آنذاك ستة عشر عاماً، ولم أتوقع أبداً أن يتحول شخص مراهق إلى إنسان ناضج خلال حوالي ستة أشهر، إلا أن ذلك هو ما حدث لي بالفعل.
وحاولت قدر الإمكان أن أكون إيجابياً، وكانت فترة العلاج صعبة ومؤلمة، وهو ما كان له الأثر الجسماني والنفسي الشديد عليّ. ولم تكن الأعراض المصاحبة للعلاج الكيماوي هيّنة على الإطلاق، فقد كنت أشعر بالاكتئاب والغثيان والدوار والألم الجسدي الشديد، وكان لديّ اعتقاد راسخ أن الملائكة تحيط بى في كل مكان وتساعدني على الوقوف على قدميّ. ولم أكن على استعداد للاستسلام للسرطان أو أن أجعله يهزمني، وكانت إرادتي القوية هي الدافع لتمسكي بالحياة. ولقد علمت فيما بعد أنه ثبت علمياً بأن الإرادة في الحياة تُحدث في كثير من الأحوال فارقاً كبيراً.
وأخيراً انتهى الكابوس الذي كان يخيّم على حياتي. ومرت فترة العلاج الذي استمر ستة أشهر بكل مصاعبها، ولا يمكن أن تتخيلوا كم أنا فخور بنفسي، كلما تذكرت كيف أصبحت قوياً مع مرور كل يوم. وقد علّمت نفسي الصبر والثقة بالنفس، وكيف تكون إرادتي قوية.
إنني أشعر بأنني قد تخرجت من مدرسة الضربات الصعبة، ولا يمكن أن تتخيلوا كم أنا ممتن الآن، وأشكر الله على إسباغ القوة والإيمان على نفسي لكي أنتصر في معركة السرطان.
والآن أشعر بالسعادة والفخر بقوتي وبقدرتي على التحمل، وأعيش حياتي بكل قوة وقد تزوجت ورزقت طفلة جميلة، وأشكر الله مرة أخرى لمنحى الفرصة لأن أعيش بصحة جيدة وبروح طموحة مرة ثانية. كما أشكر أسرتي التي وقفت معي ودعمتني كثيراً، ونصيحتي لكم أن تتحلّوا بالإيمان وقوة إرادة الحياة، وألا تستسلموا أبداً.

——————————————————
د. سامية العمودي: لن أنسى هذا التاريخ أبداً!
الجمعة 7/4/2006: لهذا التاريخ أهمية خاصة لديّ ولدى أبنائي وأهلي وأحبتي فقد حوّل مجرى حياتي وأولوياتي إلى منحى جديد. يومها عدتُ مع أولادي بعد تناول الغداء خارج المنزل وجلست في غرفتي وبالصدفة البحتة لامست يدي صدري فأحسست بوجود كتلة في الثدي. في لحظات استيقظت كل الحواس الطبية في داخلي، وأخذت أتحسس الكتلة وأفحص الورم وأفحص العقد الليمفاوية تحت الذراع، وأدركت على الفور أن قضاء الله قد حلّ بي! لم أكن أحتاج إلى فحص أو أخذ عيّنة، فأنا –وللأسف- طبيبة، لذلك يكون الجهل نعمة في لحظات كهذه! لحظة عصيبة عشتها، أخذت أدور في أرجاء الغرفة وأدعو الله بصوت عالٍ أن يلهمني الثبات لأنني أعلم أن الأجر إنما يكون عند الصدمة الأولى. ناجيته دامعة: هل تحبني إلى هذه الدرجة حتى ترسل لي رسالة حب كهذه؟ تلك كانت اللحظة الأولى في هذه التجربة الإنسانية التي أعيشها هذه الأيام مع سرطان الثدي.
أولادي أول وأهم المحاور، مسؤوليتي كأم وأب جعلتني أبدأ بهم. كان لا بد من التمهيد لهم وبالتدريج وعلى قدر أعمارهم. كنت أريدهم أن يعرفوا المعلومة مني، أن أشعرهم بالأمان والثقة، وأستثمر الأزمة في بناء شخصياتهم، فالمؤمن -كما أقول لهم- يجب أن يكون قوياً وبناء الشخصية الإيجابية يبدأ بمواجهة الأزمة. واستطعت بفضل من الله ان أضعهم في الصورة معي كما أريد فكسبت أول معركة في مرضي.
عندما ترى الحب في العيون تتمنى لو مرضت كل يوم! عندما تسمع عبارات اليقين ممن حولك، فكأنك بهم جميعا يتحدثون لغة عالمية واحدة تقول لك اصبر فهذا رفع للدرجات عند الله، تشعر لحظتها بحلاوة الإيمان، وأكثر من هذا فإن نعمة الإيمان هي البديل لكل جديد في عالمنا الطبي، وتلك هي أكبر إيجابيات هذه الابتلاءات.
ماذا بعد؟ جاءت لحظة قرار العلاج. كان خالي خارج المملكة، وهو بالنسبة لي أبي وكل أهلي، لحظة اتصلت به قال لي سأحجز لك للسفر عندي. جاءت معركة أخرى قررت أن أخوضها عن يقين وثقة قلت له: لن يعالجني غير زملائي وفي بلدي. وضعت ثقتي؛ بل وضعت صحتي وروحي بين أيديهم؛ لأنني أعلم من هم. قلت لهم لن أذهب إلى أي مكان لسببين: أولهما أن ثقتي فيكم هي ثقتي في نفسي وفي الطب في بلدي، والثاني أن وجودي بين أبنائي وفي حضن أهلي جزء من علاجي.. تلك هي بدايتي مع سرطان الثدي.
لماذا أحكي لكم عن أمر هو هم خاص بي ولأحبتي، أضع قصتي هنا ليكون البوح عالياً، فقد لمست إصراراً من بعضهم على أن تكون هذه الأمراض من الأسرار التي لا ينبغي الخوض فيها، وهذا أمر أشعر في داخلي أنه يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، ولذا يجيء البوح هنا عالياً.
لنتعلم معاً الاستثمار الأمثل للابتلاءات بالإكثار من الدعوات ومواجهة الأزمات بإيجابية المؤمن، وهذه المواجهة هي دعم نفسي وعاطفي واجتماعي لمن أصابهم هذا الابتلاء.
كانت الأمور متسارعة جداً لدرجة أنني لم أكن أستوعب بدقة كل ما يحدث لي، يوم الجمعة أحسست بالورم، ويوم السبت تم عمل الماموجرام (فحص خاص بسرطان الثدي) والأحد إلى الثلاثاء فحوصات الدم والأشعة المقطعية والنووية للعظام للتأكد من عدم انتشار المرض، والحمد الله كانت سليمة، فأحسست بأن الله كريم معي، وهذا لطف في القضاء، وأجمل ما في الموضوع -وربما الغريب فيه- أن العينة التي تم أخذها وأثبتت إصابتي بسرطان الثدي أخذت يوم الثاني عشر من إبريل 2006 وهو يوم مولدي.
سبحان الله! تاريخ ميلادي يصادف تاريخ تأكيد إصابتي! لا أعرف ما دلالة هذا ولا معناه، لكن لا أنكر أن بداخلي إحساساً أليماً لهذه المصادفة.
عندما اكتشفت أن عندي ورماً في الثدي كانت أول وأهم مشكلة عندي هي أبنائي وكيف سأقوم بالتعامل معهم. لكني تماسكت وذهبت إليهم وحكيت لهم الأمر بكل هدء وأوضحت لهم المراحل العلاجية التي سأمر بها.
كما أخبرتهم أن الله عندما يحب إنساناً يختبره حتى يمنحه الأجر، وهكذا كانت معرفتهم وأخذنا بعدها نتحدث في مواضيع أخرى، وأخذت على نفسي عهداً أن تسير حياتهم بشكل طبيعي قدر ما أستطيع، لأن عدم تضخيم الأمر وعدم الجزع والهلع والانهيار هو السبيل الوحيد لهدوء نفوسهم وتعليمهم معنى الصبر والبلاء ومواجهة الأزمات، وكنت أطلب منهم أن يضعوا أيديهم الصغيرة على صدري ليقرأوا لي الدعاء “أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك”.
تلك لحظات صعبة عشتها في معركتي هذه، لحظات جعلتني أعيش الحب معهم بطعم جديد، كنت أقبلهم وأحتضنهم، لكنني اليوم أدفن رأسي في شعر ابنتي كأنني أشم رائحتها وأحضن ابني كما لو كنت أود الذوبان فيهم. تغير طعم قبلتي ودفء حناني، ليس لأنني أخاف الرحيل وإنما لأنني أشعر بمتعة وجودهم معي، فكأني أعيش أجزاء اللحظة حتى لا أحس بالحرمان مما فيها.
بدأت مرحلة العلاج الكيماوي، وهي مرحلة صعبة علمتني كيف أشعر بما كنت أقرأه عن مضاعفات العلاج ونحن كأطباء نكتب الوصفة الطبية، ونضع خطة العلاج على ملف المريض أو المريضة، لكننا لا نشعر بما يحدث بعد ذلك، ولذا عندما بدأت علاجي الكيماوي شعرت وأحسست بما يحسه كل مريض من مضاعفات وآثار جانبية، لكنها معاناة تهون عند المسلم عندما يتذكر الله والآخرة وعذاب القبر، فيفرح بأن الله اصطفاه وأرسل له فاتورة عاجلة الدفع ليصل إلى الله طاهراً، وهذا هو ما أحسه هذه الأيام.
ولعل أقسى مراحل العلاج الكيماوي فقدان الشَّعر تاج الأنثى الذي تضعه على رأسها، والشعر عندها هو أنوثتها وكيانها، ويوم بدأ شعر رأسي في السقوط وكنت بانتظار ذلك، إلا أنه أشعرني بألم كما لو كنت أفقد جزءاً من جسدي، كما لو كانت كل شعرة تنسلخ عني وتتركني أبكي رحيلها.
ولذلك فإن المرأة في هذه الأوقات تحتاج إلى كثير من الرعاية والاهتمام والدعم النفسي، وصاحب الدين هو الذي يبقى سنداً لزوجته في أحلك لحظاتها، وهذا هو امتداد للمشاعر بينهما، وهذا هو السكن والثواب والمودة وكل معاني الحب الواردة في آيات القرآن التي ما تركت للزواج أمراً إلا نظمته وأبانت الأجر والثواب فيه، فإذا أصابكِ أمر الله هذا فالجئي بعد الله إلى رفيق دربك، فالرجل المسلم الذي يعرف معنى التقوى هو العملة التي تظهر قيمتها في هذه الأوقات، والله مع كل زوج وقف ويقف مع رفيقة الدرب حنواً وحناناً.
والدعم النفسي يبدأ بزرع القوة النابعة من الإيمان بالله والقدر خيره وشره، ثم احتواء المريض عاطفياً ومساندته. ولذلك نحتاج جميعا في أزماتنا إلى من “يطبطب” و”يدلع” ويحنّ ويعطف، فلمسة الحنان هذه نحتاج إليها جميعاً بجرعات متنوعة، والحالة النفسية عنصر أساسي في المقاومة وهو في رأيي نصف العلاج.
أنهيت علاجي بحمد الله وبرعاية الآخرين ومساندتهم لي، وخصوصاً خالي الحبيب الذي كان لي نعم الأب والأم والقلب الحنون، وشُفيت تماماً وحالياً أعيش حياتي بشكل طبيعي لكن بروح أخرى قوية وأكثر قدرة على العطاء، لكن أحب أن أوضح أن المرض يعطينا أشياء كثيرة:
– أعطانا الله بالمرض فسحة من العمر لإعادة حساباتنا وتقييم حياتنا، وهذه فسحة للمراجعة والقرب من الله والإكثار من الصلاة والصدقة والأذكار وغيرها.
– رأيت الحب في عيون أهلي وأصداقائي ومن حولي، وهذه منحة لا نحصل عليها أحياناً بهذا الكم إلا وقت الأزمات.
– طغت على السطح مشاعر حب لم أجربها من قبل تجاه أبنائي، فأصبحت أكثر هدوءاً وأقل انشغالاً لأن المرض أجبرني على التقليل من أعمالي كلها فأصبحت أتذوق حبي لهم بطعم مختلف.
– أصبحت أكثر إحساساً بمرضاي وهمومهم، من واقع التجربة الشخصية لرد الفعل كمريضة تجاه كل كلمة أو إشارة أو تصرف ممن يشرف على علاجي.
– أصبح هناك تعاون إيماني بيني وبين أفراد أسرتي، فأنا أمسك بيدهم الصغيرة أضعها على موضع الداء في صدري ليدعوا لي.
– أصبحت أكثر إيجابية في تذوق أفضال الله ونعمه، فكلما ارتديت ملابسي أو خرجت من بيتي شعرت أن الله فضلني أيما تفضيل على أناس بلاؤهم أكبر مني، مثل قصة الشاب “بانعمة” الذي ابتلاه الله عز وجل بالشلل الرباعي، وقد سمعت حكايته في قناة المجد فأبكاني وأعجبني استثماره للأزمة في الدعوة لله.. ولذا فإحدى الإيجابيات أن نشعر بما فضّلنا الله به على غيرنا في الابتلاء.
– تعلمت إيجابية الصمود والمقاومة بعنف، فأنا لا أريد الموت الآن، وأدعو الله أن يعطيني فسحة من العمر أولاً حتى يكبر أبنائي ويصبحوا أكثر قوة وقدرة على مواجهة الحياة ومن فيها بدوني، وثانياً حتى أكمل رسالتي في ترك شيء من العلم النافع بعد موتي.
– إصابتي بسرطان الثدي جعلتني أكتسب إيجابية جديدة حيث تحولت حياتي إلى رسالة حب للتوعية بهذا المرض، وكيفية دعم المريض نفسياً والتصدي لهذه الأمراض من خلال الكشف المبكر، وهكذا أصبحت رسالة الحب هذه هاجساً لي عبر كل وسائل وقنوات الإعلام، وهذه أراها إيجابية ونعمة كبيرة هي فضل من الله للاستثمار الأمثل لهذه الأزمات.
ولذلك أقول لمن انهارت أو أصابها الحزن من المرض ولكل مريض ومريضة: هذه الابتلاءات ألم عميق أفهمه وأشعر به أكثر ممن يقرأ أو يسمع، لكن تلمّس الإيجابية والاستثمار الأمثل لهذه المحن يجعل منا مؤمنين، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وأبشر أيها المريض، فالبشارة لك ولي بأمر الله تعالى. وهذا حسبنا من الدنيا التي ستنتهى مهما طالت.. وأذكر البشارة بالأجر والجنة ففي ذاك البشارة كلها، جعلنا الله جميعاً من أهل الجنة.

—————-
فيصل سعيد نعمان: صديقي أنقذ حياتي بالصدفة!
كان اكتشاف مرضي إحدى العجائب التي أعدها من منح الله عليّ، فقد اعتدتُ أن أجري فحوصات شاملة كل عام في ألمانيا من باب الاطمئنان، وهي الفحوصات الاعتيادية التي يجريها أي إنسان سليم معافى. والحمد لله كانت الفحوصات جميعها سليمة وليس هناك ما يكدر الخاطر، فبقيت هناك بعض الأيام ثم قررت الذهاب إلى القاهرة لزيارة أحد أصدقائي المقرّبين وهو رجل أعمال ثري كان نزيل مستشفى متميز بسبب ابنه المريض بالشلل الرباعي، فألحّ عليّ إلحاحاً شديداً أن أجري فحوصات شاملة لجسمي، فأخبرته أني عدت من ألمانيا وقد أجريت هناك فحوصاتي المعتادة، لكنه ألحّ علي بشكل غريب فكنت أبتسم وأستغرب من إصراره الشديد، فما كان مني إلا أن عملت الفحوصات الشاملة من التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساءً
ثم غادرت القاهرة بعدها عائداً إلى اليمن، ولم أنتظر نتائج الفحوصات وإنما تركت لهم الإيميل والفاكس، بعدها بأيام قليلة وصلني فاكس من المستشفى يقول لي “راجع أقرب طبيب مسالك بولية” وأرسلوا لي نتيجة الفحوصات، فذهبت إلى طبيب أجنبي زائر كان في مستشفى السعيد بتعز، فاطّلع على النتائج فقال لي: ربما يكون لديك ورم في البروستات، ولذلك أنصحك للذهاب إلى المستشفى السعودي الألماني بصنعاء.
أحسستُ حينها بالمفاجأة، وبدأت الأفكار تدور في رأسي: كيف لم تظهر النتائج في فحوصات ألمانيا وظهرت في فحوصات القاهرة؛ فما كان مني إلا أن سافرت بعدها إلى الأردن.
وهناك أجريت الفحوصات مرة أخرى، وظهر فعلاً ورم في المرحلة الأولى في البروستات، ولما سألتهم لماذا لم تظهر النتيجه في فحوصات ألمانيا، قيل لي إنهم استخدموا الأشعة بينما في القاهرة استخدموا فحوصات الدم (BSA) حيث أظهرت وجود ورم. وبعد أخذ عينة وفحصها كانت النتيجة أنه لازال محصوراً في ربع البروستات ولم ينتشر بعد، فحمدت الله كثيراً، ثم أخذت الأولاد، وسافرت إلى فرانكفورت وهناك ذهبت إلى مستشفى جامعة فرانكفورت وأجريت العملية بنجاح، وأحسست حينها كأنني ولدت من جديد.
لقد كان لدينا حينها أفكار خاطئة ومخيفه عن المرض وارتباطه بالموت من تجارب الآخرين، لكني أدرك بقوة الإيمان أن المرض والشفاء بيد الله، لذلك كنت متمسكاً بإيماني بالله وقدرته على شفائي تماماً من المرض. وفعلاً شفيت بحمد الله، ولم أحتجْ إلى جرعات كيماوي لأن الحالة لم تستدعِ ذلك، وعدت بعدها إلى اليمن وأنا في أحسن حالة من التفاؤل والأمل وقوة الإيمان.
لقد أدركت من مرضي أن الله يرسل رسائله الخاصة للأشخاص الذين يحبهم كالقصة التي حدثت لي مع صديقي في القاهرة، ومن يومها أصبحت موقناً بالرسائل التي تصلني في حياتي، وأتمسك بها وأحاول أن أفهم مدلولاتها الخفية.. وتلك هي أسرار الله في خلقه.
وأشكر الله كثيراً لأني اكتشفت المرض مبكراً، كما أشكر صديقي العزيز الذي أصرّ عليّ كي أعمل الفحوصات مرة أخرى بالقاهرة، وهو السبب في نجاتي وشفائي، وقد ازداد حبي له وأتمنى له الخير ودوام العافية.
كما أدعو الجميع لعمل فحوصات دورية كل عام للتأكد من سلامتهم، تفادياً من تفاقم الأمراض، فالوقاية خير من العلاج.. واسأل الله الخير والسلامة للجميع.
—————–
عصام الحبشي (65 عاماً)
أخي عصام رجل عصامي وهادئ ومسالم ومحب الخير، كان مدير فرع البنك التجاري بأبوظبي، اغترب منذ أكثر من 30 سنة وحصل على الجنسية الإماراتية، ولديه 3 أبناء.
في أحد أيام عام 1998 شعر بألم شديد في بطنه، واضطر أولاده لإسعافه الى المستشفى، وظن الأطباء من خلال الفحوصات أن زائدته الدودية ربما انفجرت فنقل إلى غرفة العمليات لإجراء عملية له.
أثناء العملية اكتشف الأطباء أنه مصاب بسرطان القولون الذي انفجر بسبب انسداد حصل له لمدة طويلة، فاضطروا إلى استئصال المنطقة المصابة بالسرطان (حوالي 22سم)، ثم أضيفت إليه قسطرة مؤقتة إلى أن يلتئم الجرح، وبعد حوالي أسبوعين أعيد إلى المستشفى لإزاله القسطرة.
لم يحتج أخي إلى جرعات الكيماوي، فقد كانت حالته لا تستدعي ذلك، والحمد لله شُفي من المرض وعاد ليمارس حياته بكل هدوء وسلام. لم أكن هناك عندما أصيب أخي بالمرض، ولم أعرف بمرضه إلا بعد فترة لأنه خاف أن يخبرنا، لكن أولاده وأسرته جميعاً وقفوا معه ودعموه حتى شفي وعاد إلى حياته بأمان.
عندما أزوره أتعلم منه أشياء كثيرة، فقلبه مليء بالحب والعطاء للآخرين، وقد تعلمت منه قوة العطاء والمحبة التي يستطيع نقلها للآخرين بابتسامته أينما ذهب، ورغم كبر سنه إلا أنه يمتلئ حيوية ونشاطاً. يحمل دائماً في جيبه الحلويات ليوزعها على الأطفال في الشارع، وإذا خرجنا في رحلة فهو يحمل بقايا الخبز ليطعمها الطيور أو الحيوانات، لا يحمل الغلّ في قلبه، ولذلك فإن وجهه يعكس نور الإيمان في قلبه.
عندما يتكلم عن مرضه فهو يشرحه بكل بساطة ويسر، كأن الأمر مجرد وعكة مرضية بسيطة، وهو لا يهوّل الأمور بل يجعلها في أبسط حالاتها. أسأل الله أن يديم عليه العافية ويسعد أيامه ويحقق كل أحلامه.